الخوارزميات وصناعة ما نراه على وسائل التواصل الاجتماعي

هل نختار فعلًا ما نراه على وسائل التواصل الاجتماعي، أم أن الخوارزميات الخفية تقوم بالاختيار نيابةً عنا دون أن نشعر؟ هذا السؤال لم يعد فلسفيًا فقط، بل أصبح قضية رقمية تمسّ وعي المستخدم، وسلوكه، وحتى نظرته إلى العالم.

كيف تراقب منصّات التواصل سلوكنا؟

ما يبدو استخدامًا عاديًا لمنصّات التواصل الاجتماعي يخفي وراءه نظامًا معقّدًا من التتبع والتحليل. فهذه المنصّات تراقب بدقّة شديدة كل تفصيل من تفاعلنا الرقمي:

  • الفيديوهات التي نشاهدها حتى النهاية

  • المنشورات التي نعلّق عليها أو نشاركها

  • المحتوى الذي نتوقّف عنده لبضع ثوانٍ فقط

تُجمَع هذه البيانات لتكوين ملف رقمي دقيق عن اهتماماتنا، ثم يُعاد توجيه المحتوى إلينا بطريقة مدروسة تهدف إلى إبقائنا أطول فترة ممكنة داخل المنصّة.

الخوارزميات: البحث عن الانتباه لا عن الحقيقة

الخوارزميات لا تعمل على أساس القيم أو الحقيقة، بل على أساس الانتباه. لذلك، غالبًا ما تُفضِّل عرض المحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الجدل، لأنه يحقّق معدلات تفاعل أعلى. ومع تكرار هذا النمط، يجد المستخدم نفسه محاطًا بنوع واحد من الأفكار والآراء، ما يخلق ما يُعرف بـ”فقاعة المحتوى”.

الإدمان الرقمي غير المرئي

مع الوقت، يتحوّل هذا التفاعل المستمر إلى شكل من أشكال الإدمان الرقمي غير المحسوس:

  • تمرير لا نهائي للمحتوى

  • إشعارات متكرّرة

  • انتظار دائم لـ”مكافأة” صغيرة على شكل إعجاب أو تعليق

الأخطر من ذلك أن المستخدم يبدأ في الاعتقاد بأن ما يراه هو الصورة الكاملة للواقع، بينما هو في الحقيقة جزء محدود وموجَّه بعناية.

الوعي الإعلامي: الحل لا المقاطعة

في ظل هذا الواقع، تبرز أهمية الوعي الإعلامي والرقمي. هذا الوعي لا يعني الامتناع عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الدعوة إلى مقاطعتها، بل يعني فهم آليات عملها، وإدراك كيفية تأثيرها على قراراتنا ومشاعرنا، والتعامل معها بوعي نقدي.

وسائل التواصل الاجتماعي ليست شرًا مطلقًا، لكنها أيضًا ليست محايدة. وبين حرية الاختيار وسطوة الخوارزميات، يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول. فكلما فهمنا كيف يُصاغ المحتوى الذي نراه، استعدنا جزءًا أكبر من قدرتنا على الاختيار.

شارك المقال

مقالات اخرى

Scroll to Top