ليست المشكلة دائمًا في الأخبار الكاذبة بشكلٍ صريح، بل في تلك التي تحمل جزءًا من الحقيقة وتُخفي الجزء الآخر. هنا يبدأ الخلل الحقيقي؛ نقرأ خبرًا يؤثّر فينا عاطفيًا، نتفاعل معه بسرعة، ثم نكتشف لاحقًا أنه غير مكتمل أو يفتقر إلى الدقة. والسؤال الأهم ليس: لماذا خُدعنا؟ بل: لماذا لم نتوقف لحظة لنسأل، ونفكّر، ونمارس النقد؟
من فيض الأخبار إلى أزمة التفكير النقدي
في عصر الإعلام الرقمي، لم نعد نعاني من نقص في المعلومات، بل من ضعف في التفكير النقدي. تدفّق الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الإخبارية جعل التلقّي السريع هو القاعدة، على حساب التحليل والتدقيق. وهنا تبرز أهمية النقد الإعلامي بوصفه مهارة أساسية، لا تهدف إلى رفض المحتوى أو مهاجمة وسائل الإعلام، بل إلى فهم الرسائل الإعلامية وتفكيكها قبل تبنّيها أو إعادة نشرها.
ما هو النقد الإعلامي؟
النقد الإعلامي هو ممارسة واعية تقوم على تحليل المحتوى الإعلامي، والكشف عن أهدافه، وفهم سياقه، وتمييز ما هو مهني عمّا هو مضلِّل. وهو أداة تحمينا من التلقّي السلبي، وتمنحنا القدرة على التفكيك بدل الانقياد، وعلى الفهم بدل الانفعال.
خطوات ممارسة النقد الإعلامي الواعي
أولًا: استجواب المحتوى
لا تتعامل مع الخبر على أنه حقيقة نهائية.
اقرأه بعين ناقدة، واسأل:
-
من كتب هذا المحتوى؟
-
ما الهدف منه؟
-
من الجمهور المستهدف؟
فطرح الأسئلة هو الخطوة الأولى لكسر التأثير العاطفي السريع.
ثانيًا: التحقق والمقارنة
الاعتماد على مصدر واحد يزيد احتمالية التضليل.
قارن الخبر بمصادر موثوقة أخرى، وانتبه إلى:
-
زاوية التناول
-
أسلوب الصياغة
-
ما إذا كان هناك تحيّز أو انتقائية في عرض المعلومات
ثالثًا: كشف أساليب التضليل
ميّز بين المحتوى الإعلامي المهني والمحتوى القائم على الإثارة والتلاعب بالمشاعر.
العناوين الصادمة أو المبالغ فيها غالبًا ما تفتقر إلى سياق واضح أو مضمون حقيقي، وتهدف فقط إلى جذب الانتباه.
رابعًا: تحمّل مسؤولية النقد
النقد المسؤول يبدأ من التحقق.
قبل توجيه أي نقد أو مشاركة محتوى ناقد، تأكد من صحة المعلومات التي تستند إليها، لأن التسرّع قد يساهم – دون قصد – في نشر التضليل.
خامسًا: الاحتراف في التعبير
اختيار الأسلوب والمنصّة المناسبة جزء من الوعي الإعلامي.
ابتعد عن الانفعال واللغة الهجومية، وركّز على الوقائع والحقائق بدل الآراء الشخصية، فالنقد الفعّال هو الذي يُقنع ولا يستفز.
بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي، تبقى مهارة النقد الإعلامي الواعي الخطوة الأولى والأهم في مواجهة التضليل الإخباري. فهي الأساس لبناء وعي فردي ومجتمعي قادر على الفهم والتمييز، واتخاذ المواقف بمسؤولية في عالمٍ تتكاثر فيه الرسائل وتتنافس فيه الحقائق مع أنصافها.


