العنف الرقمي ضد الصحافيات: أزمة عالمية تُهدد حرية التعبير وسلامة الإعلام (2025)

هجمات ممنهجة تُسكت أصوات الحقيقة

 

تُعد الصحافة الركيزة الأساسية للحقيقة وحرية التعبير، لكن بالنسبة للصحافيات، يأتي هذا الدور بثمن باهظ ومتصاعد في الفضاء الرقمي. حيث تشير البيانات العالمية الصادمة إلى أن ما يقارب 73% من الصحافيات قد تعرّضن لشكل من أشكال العنف الرقمي ضد الصحافيات أثناء ممارسة عملهن، وهو ما يؤكد وجود عنف ممنهج يستهدف النساء العاملات في الصفوف الأمامية لحرية الرأي والتعبير.

الجدير بالذكر أن هذه الأزمة العالمية تتجاوز مجرد “المضايقات عبر الإنترنت” لتشكل تهديداً مزدوجاً: يمس سلامة الصحافيات شخصياً، ويقوّض مبدأ حرية التعبير ومصداعية الصحافة ككل.


إحصاءات أساسية موثقة (بيانات UNESCO والشركاء – حتى 2025)

 

المقياس النسبة المئوية الدلالة والتفصيل
انتشار العنف الرقمي 73% صحافيات أبلغن عن تعرضهن للمضايقة، التهديد، والتشهير عبر الإنترنت.
تأثير الرقابة الذاتية 30% لجأن إلى الرقابة الذاتية والسيطرة على كلامهن لتجنّب المزيد من الهجوم أو المضايقات.
الانسحاب من الفضاء العام 20% توقّفن عن التفاعل على الإنترنت كاستجابةٍ للتهديدات أو الإساءة المستمرة.
التحول إلى عنف واقعي 20% تعرّضن لاعتداءات أو إساءات خارج الإنترنت بعد أن بدأت الهجمات عبر الشبكات الرقمية.

لماذا العنف الرقمي ليس “مجرد كلام على الإنترنت”؟

 

يُعتبر هذا النوع من العنف أداة فعّالة لإسكات الأصوات، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالتقارير الاستقصائية الحساسة أو التغطيات السياسية والاجتماعية. إنه يخدم أهدافاً تتجاوز الإساءة الفردية:

  1. إسكات الأصوات النسائية وتقليص المشاركة: الهدف هو إقصاء الصحافيات من النقاش العام وإضعاف مساهمتهن، مما يؤدي إلى فقر في التنوع الإعلامي.

  2. تقويض حرية الصحافة وحق الجمهور في المعرفة: عندما تُجبر صحافية على ممارسة الرقابة الذاتية خوفاً من العواقب، فإن هذا يقلل من عمق تقاريرها، ويُضعف بالتالي حرية التعبير.

  3. خطر التحول إلى عنف واقعي (Offline Harm): الهجمات الرقمية هي غالباً “مرحلة أولى” لاعتداءات أشد، مثل التداول الانتقامي للبيانات (Doxing) الذي يعرض الصحافية وذويها للخطر الجسدي.


آليات وأدوات العنف الرقمي الأكثر شيوعاً

 

  • التحرش والمضايقة الجماعية (Troll Attacks): هجمات منسقة ومنظمة لإغراق مساحتها الرقمية بالإساءات.

  • التشهير وتشويه السمعة: نشر معلومات خاطئة، أو صور ومحتوى مُفبرك مثل Deepfakes لتدمير مصداقيتها.

  • التداول الانتقامي للبيانات (Doxing): نشر بياناتها الشخصية (العنوان، رقم الهاتف) بهدف الترهيب.

  • التهديدات بالعنف القائم على النوع الاجتماعي: استخدام التهديدات الجنسية والتحرش لإسكات الصحافية.


التهديدات الرئيسية التي تواجه الصحافيات

 

تتنوع التهديدات التي تواجه الصحافيات بين العنف الواقعي (Offline) والعنف الرقمي (Online)، وتستهدف وجودهن المهني والشخصي.

التهديد التفصيل والأشكال أمثلة وسياقات إضافية
1. العنف الرقمي المُتطرف والمُنظم يشمل الهجمات المنسقة والمستمرة التي تستغل النوع الاجتماعي للصحافية لإسكاتها. * هجمات الترول المنسقة: استخدام جيوش إلكترونية (Troll Armies) لإغراق حسابات الصحافية بالتعليقات المسيئة والتهديدات في نفس الوقت، مما يعطل عملها ويؤدي إلى إجهاد رقمي يصعب تحمله.
2. التشهير وتدمير السمعة المهنية استهداف المصداقية المهنية والشخصية باستخدام محتوى مفبرك أو تسريب معلومات خاصة. * صور وفيديوهات الـ Deepfakes: استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنشاء صور أو فيديوهات جنسية أو مُخلة بالآداب للصحافية بهدف ابتزازها وتشويه سمعتها وتدمير علاقتها بمؤسستها. * نشر ادعاءات كاذبة: ترويج قصص ملفقة عن فسادها أو علاقاتها الشخصية للطعن في نزاهتها وقدرتها على التغطية المحايدة.
3. التهديد بالاعتداء الجسدي والجنسي الانتقال من التهديد اللفظي إلى التخطيط للعنف الواقعي. * تحديد الموقع (Doxing) وتحريض واقعي: نشر بيانات تحديد الموقع الجغرافي (العنوان، المدرسة، العمل) على قنوات التلغرام أو المنتديات المظلمة، مصحوبًا بدعوات صريحة للاعتداء عليها جسديًا أو اغتصابها. * تهديدات موجهة للعائلة: تمديد التهديد ليشمل أفراد أسرتها أو أطفالها، مما يزيد من الضغط عليها لترك العمل.
4. الترهيب القانوني والإداري استخدام النظام القانوني والإداري كأداة ضغط لعرقلة العمل. * دعاوى التشهير الكيدية (SLAPPs): رفع دعاوى قضائية ضخمة وغير مبررة ضدها من قِبل شخصيات نافذة أو شركات كبرى بهدف استنزافها مالياً وإلزامها بـ الرقابة الذاتية وتجنب التحقيقات المستقبلية. * الضغوط الإدارية في العمل: قد تضغط المؤسسة الإعلامية على الصحافية لتغيير طبيعة عملها أو توقيفها عن تغطية قضايا حساسة خوفاً من ردود الفعل أو الدعاوى القضائية.
5. التهديدات الأمنية الرقمية (الاختراق) محاولات السيطرة على مساحتها الرقمية للحصول على معلومات أو تشويه اسمها. * اختراق البريد الإلكتروني والهاتف: السيطرة على أدوات العمل الشخصية للاطلاع على المصادر السرية، تسريب تقارير غير منشورة، أو نشر محتوى مزيف باسمها لتدمير مصداقيتها. * سرقة الهوية الرقمية: انتحال شخصيتها عبر الإنترنت للتحدث مع مصادر حساسة أو زملاء عمل، مما يعرض شبكتها المهنية للخطر.

الصحافيات اليمنيات كنموذج لأشد الانتهاكات

 

في سياق النزاعات والأزمات التي تعاني منها المنطقة، تظهر الصحافيات اليمنيات كأكثر الفئات عرضة للعنف المزدوج (العنف المهني والعنف القائم على النوع الاجتماعي). تُظهر التقارير من المنظمات الحقوقية اليمنية والدولية أن الهجمات تُستخدم كأداة قسرية لإسكاتهن وتقويض أي تغطية تنتقد أطراف النزاع:

  • أرقام صادمة (المرصد اليمني لحقوق الإنسان ومنظمات شريكة):

    • 58% من الانتهاكات المُسجلة: تركزت الانتهاكات ضد الصحافيات اليمنيات بين عامي 2017 و 2024 على التهديدات المباشرة بالقتل أو الاختطاف والتشهير الرقمي.

    • التهديدات الموجهة للعائلة: تزداد نسبة استغلال التهديدات الموجهة لأفراد الأسرة والأطفال كأداة ضغط على الصحافية اليمنية لإجبارها على التوقف عن العمل أو مغادرة البلاد.

  • هجمات التشويه المنظم (Smear Campaigns): غالباً ما يتم ربط التقارير الاستقصائية التي تقوم بها الصحافية اليمنية بـ “الخيانة الوطنية” أو “الفساد الأخلاقي”، مما يعرضها هي وعائلتها ليس فقط للعنف الرقمي بل لـ النبذ الاجتماعي والترحيل القسري.

  • الاختطاف والاحتجاز: على عكس العديد من الأماكن الأخرى، سجلت اليمن حالات احتجاز واختطاف لصحافيات (أحياناً لفترات طويلة) بسبب عملهن، لتتحول الهجمات الرقمية إلى احتجاز فعلي كعقوبة على قول الحقيقة.

 العنف ضد الصحافيات اليمنيات هو مثال صارخ على أن الهجمات الرقمية ليست سوى مقدمة لـ تفكيك الوجود المهني والاجتماعي للصحافية في أشد البيئات هشاشة.


أشكال وأساليب العنف التي تواجه الصحافيات

 

تأتي أشكال العنف في سياق يركز على النوع الاجتماعي للصحافية، مما يضاعف الأذى النفسي والمهني:

1. الإساءة القائمة على النوع الاجتماعي (Gender-Based Abuse)

 

  • التهديدات الجنسية المباشرة: تعليقات تركز على جسد الصحافية أو تهديدات بالاغتصاب أو الإيذاء الجنسي، وهي أدوات لا تُستخدم بنفس القدر ضد الصحافيين الذكور.

  • التنميط الجنسي: يتم تقديم الصحافية على أنها غير كفؤة مهنياً وتركيز النقد على مظهرها أو ملابسها أو حياتها العائلية بدلاً من محتوى تقاريرها.

  • “Shaming” و التعيير: استغلال الصور القديمة أو الخاصة أو الشائعات لـ “تعيير” الصحافية والضغط عليها اجتماعياً للتراجع عن عملها.

2. العزل والإقصاء المهني

 

  • المقاطعة المنهجية: تشجيع الجمهور على مقاطعة أعمال الصحافية أو مؤسستها، مما يقلل من نطاق وصولها وتأثيرها المهني.

  • تشويه أدوات العمل: سرقة ملكيتها الفكرية أو استخدام محتوى تقاريرها بشكل مُحرف، ثم اتهامها هي بالانتحال أو عدم المهنية.

  • الإغلاق الاقتصادي: الضغط على المعلنين أو الجهات الممولة للمؤسسة الإعلامية لوقف دعمها، مما يؤدي إلى تهديد مباشر بقطع رزق الصحافية.

3. تقنيات التلاعب بالصورة والمعلومات

 

  • الصور المفبركة والاصطناعية (AI Manipulation): لم تعد تقتصر على الصور الجنسية، بل تمتد لتشويه سياق تصريحاتها (مثل وضعها في اجتماعات سرية أو محظورة) لإثارة الشكوك حول ولائها أو مهنيتها.

  • الحرمان من الخدمات (Denial of Service): استهداف مواقع المؤسسات أو الصفحات المهنية للصحافية بهجمات إلكترونية مكثفة لإيقافها عن العمل في اللحظات الحرجة (مثل أثناء تغطية انتخابات أو أحداث عاجلة).


خطوات ومطالب عملية للتصدي

 

لمواجهة أزمة العنف الرقمي ضد الصحافيات يجب تبني استراتيجية شاملة تشارك فيها أطراف دولية ومحلية:

  • تعزيز الأطر القانونية: وضع وتفعيل قوانين واضحة ومُحدّثة لمكافحة العنف الرقمي ومعاقبة مرتكبيه بشكل رادع.

  • الاستجابة السريعة من المنصات: إلزام المنصات بآليات بلاغ فاعلة وسريعة وإزالة المحتوى الضار والمُفبرك فوراً.

  • الدعم المخصص للناجيات: إنشاء برامج دعم نفسي وقانوني وتدريب متقدم في الأمن الرقمي.

  • زيادة الوعي العام: إطلاق حملات تعليمية تبرز أن العنف الرقمي هو جزء من العنف القائم على النوع الاجتماعي.


الأسئلة الشائعة حول العنف الرقمي ضد الصحافيات (FAQs)

 

1. ما هو تعريف العنف الرقمي ضد الصحافيات؟

 

هو أي شكل من أشكال المضايقة، التهديد، التشهير، أو الاعتداء الذي يتم تنفيذه عبر الإنترنت (وسائل التواصل الاجتماعي، البريد الإلكتروني، المنتديات) ويستهدف الصحافيات بناءً على عملهن أو نوعهن الاجتماعي بهدف إسكاتهن أو إلحاق الضرر بهن.

2. ما هي أبرز الأشكال التي يتخذها العنف الرقمي؟

 

تشمل الأشكال البارزة التحرش والمضايقة الجماعية (Trolling)، تهديدات الاغتصاب والعنف الجسدي، نشر المعلومات الشخصية (Doxing)، التشهير باستخدام الصور أو الفيديوهات المفبركة (Deepfakes)، واختراق الحسابات الشخصية والمهنية.

3. هل يقتصر العنف الرقمي على التهديد اللفظي؟

 

لا يقتصر على ذلك. على الرغم من أن التهديد اللفظي شائع، فإن العنف الرقمي غالبًا ما يكون البوابة للعنف الواقعي، حيث أن 20% من الصحافيات اللاتي تعرضن للعنف الرقمي تعرضن لاعتداءات أو إساءات خارج الإنترنت لاحقاً.

4. لماذا تُستهدف الصحافيات تحديداً بهذا النوع من العنف؟

 

يُستهدفن لسببين رئيسيين:

  • نوعهن الاجتماعي: يُستخدم العنف القائم على النوع الاجتماعي لإذلالهن وتخويفهن وإقصائهن من مجال يهيمن عليه الذكور تاريخياً.

  • طبيعة عملهن: يُستهدفن بسبب تقاريرهن الاستقصائية أو آرائهن التي تتعارض مع مصالح جماعات سياسية أو سلطوية أو إجرامية.

5. ما هي ظاهرة “الرقابة الذاتية” المرتبطة بالعنف الرقمي؟

 

هي قيام الصحافية بالحد من نشر تقارير معينة، أو تغيير لهجة كتاباتها، أو تجنب تغطية مواضيع حساسة خوفاً من التعرض لمزيد من الهجمات والمضايقات. وقد أبلغت 30% من الصحافيات عن لجوئهن للرقابة الذاتية.

6. كيف يؤثر العنف الرقمي على حرية التعبير؟

 

يهدد حرية التعبير لأنه يُسكت الأصوات المختلفة، خاصة النسائية، ويقلل من تنوع المصادر الصحفية. وعندما تتراجع الصحافية عن تغطية قضايا معينة، يُحرم الجمهور من المعلومات والتحليلات الضرورية لاتخاذ قرارات مستنيرة.

7. ما الدور الذي يجب أن تلعبه منصات التواصل الاجتماعي؟

 

يقع على عاتقها دور كبير يتمثل في: الاستجابة السريعة للبلاغات، تطبيق سياسات حظر صارمة ضد المسيئين، وتطوير أدوات للتعرف الآلي على المحتوى المُفبرك أو المسيء وإزالته قبل انتشاره.

8. هل هناك أطر قانونية دولية تحمي الصحافيات؟

 

نعم، تُشجع منظمات دولية مثل اليونسكو والأمم المتحدة الدول على تفعيل القرارات التي تدعو إلى حماية الصحافيين، بما في ذلك إدانة العنف الرقمي بوصفه انتهاكاً لحرية الصحافة، والمطالبة بوضع قوانين محلية خاصة.

9. كيف يمكن للصحافية تعزيز أمانها الرقمي؟

 

يمكن ذلك من خلال: استخدام المصادقة الثنائية (Two-Factor Authentication) على جميع الحسابات، استخدام كلمات مرور قوية ومختلفة، إخفاء البيانات الشخصية قدر الإمكان، وتدريب النفس على التعرف على رسائل التصيد والاحتيال (Phishing).

10. ما هي التداعيات النفسية للعنف الرقمي على الصحافية؟

 

يمكن أن يؤدي إلى آثار نفسية خطيرة مثل: القلق المزمن، الإجهاد، الاكتئاب، العزلة الاجتماعية، والشعور المستمر بالتهديد والخطر، مما يتطلب دعماً نفسياً متخصصاً.

11. ما هي مسؤولية المؤسسات الإعلامية تجاه صحافياتها؟

 

يجب على المؤسسات توفير بيئة عمل آمنة، تشمل: توفير تدريب منتظم في الأمن الرقمي، وضع بروتوكولات واضحة للإبلاغ عن الهجمات الرقمية، وتوفير أو تغطية تكاليف الدعم القانوني والنفسي للمتضررات.

شارك المقال

مقالات اخرى

Scroll to Top